عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
130
أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور
وعن ابن شوذب ، قال : اطّلعت امرأة إلى قبر ، فرأت اللحد ، فقالت لامرأة معها : ما هذا : يعني اللحد . قالت : هذا كندوج العمل . قال : وكانت تعطيها الشيء ، وتقول : اذهبي فضعي هذا في كندوج العمل « 1 » . وعن الحسن أنه مرّ على مقبرة فقال : يا لهم من عسكر ما يسكتهم ، وكم فيهم من مكروب « 2 » . وعن الفضل الرقاشي ، أنه كان إذا ذكّر زهّد في الدنيا ، يقول : مررت بالمقابر فوقفت فناديت : يا أهل الشرف والغناء والتباهي ، يا أهل اللباس والنجدة والأمن والزجول ، يا أهل المسألة والحاجة والفاقة ، ويا أهل النسك والإخبات والإنابة والاجتهاد ، فما ردّت عليّ فرقة منهم ، ولعمري إن لم يكونوا أجابوا جوابا لقد أجابوا اعتبارا « 3 » . وعن مالك بن دينار قال : خرجت أنا وحسان بن أبي سنان نزور المقابر ، فلمّا أشرف عليها ، سبقته عبرته ، ثم أقبل عليّ ، فقال : يا يحيى ! هذه عساكر الموتى ، ينتظر بها من بقي من الأحياء ، ثم يصاح بهم صيحة ، فإذا هم قيام ينظرون ؛ فوضع مالك يده على رأسه ، وجعل يبكي . وعن عاصم الحيطي ، قال : كنت أمشي مع محمد بن واسع ، فأتينا المقابر ، فدمعت عيناه ، ثم قال : يا عاصم لا يغرنّك ما ترى من خمودهم ، فكأنهم وقد وثبوا من هذه الأجداث ، فمن بين مسرور ومهموم . وعن ابن السماك قال : لا يغرنّك سكوت هذه القبور ، فما أكثر المغمومين فيها ؛ ولا يغرنّك آسفوها فما أشكّ بقاهم فيها . وعن أبي حازم الأعرج ، أنه شهد جنازة ، فوقف على شفير القبر ، فجعل ينظر إليه ، ثم رفع رأسه ، فقال لبعض أصحابه : ما ترى ؟ قال : أرى حفرة يابسة ، وأرى جنادل . قال أبو حازم : أما واللّه لتحمدنه إلى نفسك ، أو لتكونن معيشتك فيه معيشة ضنكا . فبكى بكاء شديدا . وعن حسين الجعفي ، قال : أتى رجل قبرا محفورا ، فاطّلع في اللحد ، فبكى واشتد بكاؤه . قال : أنت واللّه بيتي حقا ، واللّه إن استطعت لأعمّرنّك . وعن عطاء السلمي ، أنه كان إذا جن عليه الليل خرج ، فوقف على القبور ، ثم قال : يا أهل القبور متم فوا موتاه . ثم بكى ثم قال : يا أهل القبور عاينتم ما علمتم ، فوا عملاه . ثم يبكي ، فلا يزال كذلك حتى يصبح .
--> ( 1 ) المصدر السابق ( 106 ) . ( 2 ) المصدر السابق ( 108 ) . ( 3 ) المصدر السابق ( 103 ) .